الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

27

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

إلا أن هذا الموضوع يبدو بعيدا جدا ، لأن هؤلاء كانوا يسعون بكل ما أوتوا من قوة لأن يسحقوا ويحطموا موسى ومعجزته ، وبناء على هذا فإن التعبير آنف الذكر ربما كان لإظهار اعتمادهم على أنفسهم أمام الناس . غير أن موسى ( عليه السلام ) بدون أن يبدي عجلة ، لاطمئنانه بأن النصر سوف يكون حليفه ، بل وبغض النظر عن أن الذي يسبق إلى الحلبة في هذه المجابهات هو الذي يفوز قال بل ألقوا . ولا شك أن دعوة موسى ( عليه السلام ) هؤلاء إلى المواجهة وعمل السحر كانت مقدمة لإظهار الحق ، ولم يكن من وجهة نظر موسى ( عليه السلام ) أمرا مستهجنا ، بل كان يعتبره مقدمة لواجب . فقبل السحرة ذلك أيضا ، وألقوا كل ما جلبوه معهم من عصي وحبال للسحر في وسط الساحة دفعة واحدة ، وإذا قبلنا الرواية التي تقول : إنهم كانوا آلاف الأفراد ، فإن معناها أن في لحظة واحدة ألقيت في وسط الميدان آلاف العصي والحبال التي ملئت أجوافها بمواد خاصة فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى ! أجل ، لقد ظهرت بصورة أفاع وحيات صغيرة وكبيرة متنوعة ، وفي أشكال مختلفة ومخيفة ، ونقرأ في الآيات الأخرى من القرآن الكريم في هذا الباب : سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاؤوا بسحر عظيم ( 1 ) وبتعبير الآية ( 44 ) من سورة الشعراء : وقالوا بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون . لقد ذكر كثير من المفسرين أن هؤلاء كانوا قد جعلوا في هذه الحبال والعصي موادا كالزئبق الذي إذا مسته أشعة الشمس وارتفعت حرارته وسخن ، فإنه يولد لهؤلاء - نتيجة لشدة فورانه - حركات مختلفة وسريعة " إن هذه الحركات لم تكن سيرا وسعيا حتما ، إلا أن إيحاءات السحرة التي كانوا يلقنونها الناس ، والمشهد

--> 1 - الأعراف ، 116 .